الشوكاني
74
فتح القدير
ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال ، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر ، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلوات انتهى . وفى هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصد ، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلا عن جعله شرابا يشرب . قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم : كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة ، لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم ، فأول ما نزل في أمرها - يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس - فترك عند ذلك بعض من المسلمين شربها ولم يتركه آخرون ، ثم نزل قوله تعالى - لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - فتركها البعض أيضا ، وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة ، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة ، حتى نزلت هذه الآية ( إنما الخمر والميسر ) فصارت حراما عليهم ، حتى كان يقول بعضهم ما حرم الله شيئا أشد من الخمر ، وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر ، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها ، وأنها من كبائر الذنوب . وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا شك فيه ولا شبهة ، وأجمعوا أيضا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرا ، وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر دلت أيضا على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام . وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) ومن المفاسد الدينية بقوله ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) . قوله ( فهل أنتم منتهون ) فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ . ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا : انتهينا ، ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) أي مخالفتهما : أي مخالفة الله ورسوله ، فإن هذا وإن كان أمرا مطلقا فالمجئ به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد ، وهكذا ما أفاده بقوله ( فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) أي إن أعرضتم عن الامتثال ، فقد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي فيه رشادكم وصلاحكم ، ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم ، وفى هذا من الزجر مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه . قوله ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) أي من المطاعم التي يشتهونها ، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب ، ومنه قوله تعالى - ومن لم يطعمه فإنه مني - أباح الله سبحانه لهم في هذه الآية جميع ما طعموا كائنا ما كان مقيدا بقوله ( إذا ما اتقوا ) أي اتقوا ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره من الكبائر ، وجميع المعاصي ( وآمنوا ) بالله ( وعملوا الصالحات ) من الأعمال التي شرعها الله لهم : أي استمروا على عملها . قوله ( ثم اتقوا ) عطف على اتقوا الأول : أي اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحا فيما سبق ( وآمنوا ) بتحريمه ( ثم اتقوا ) ما حرم عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان مباحا من قبل ( وأحسنوا ) أي عملوا الأعمال الحسنة ، هذا معنى الآية ، وقيل التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة ، وقيل إن التكرير باعتبار المراتب الثلاث ، المبدأ ، والوسط ، والمنتهى ، وقيل إن التكرار باعتبار ما يتقيه الإنسان ، فإنه ينبغي له أن يترك المحرمات توقيا من العذاب ، والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام ، وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة ، وقيل إنه لمجرد التأكيد ، كما في قوله تعالى - كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون - ، هذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية إما مع النظر إلى سبب نزولها ، وهو أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ؟ فنزلت ، فقد قيل : إن المعنى